المخرج ديفيد لينش

David Lynch

"السريالي الصغير" هو الاسم الذي يطلق على لينش بين الاوساط النقديه .

ولد ديفيد لينش فى ميسولا بمونتانا فى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1946، وبصرف النظر عن ان عائلته تنقلت كثيراً، فإن ديفيد لينش عاش طفولة سعيدة، ورغم أنه وعائلته عاشا حياة الطبقة المتوسطة العادية، فديفيد لينش الطفل عرف أن الحدود بين الواقع والأحلام ليست جامدة، فقد قال "أنه عرف أن ثمة عالم آخر تحت سطح العالم الذى نعيشه، وأن عوالم أخرى يمكن إكتشافها إذا حفرت عميقاً تحت السطح"، ويقول لينش بانه عرف هذا عندما كان طفلاً لكنه يقر بأنه استعصى عليه أن يجد دليلاً على زعمه.
العنصر السيريالى فى أعمال ديفيد لينش شديد الوضوح لان عملية إخراج فيلم أو إبداع اى شكل فنى من وجهة نظره ما هى إلى عملية لا وعى خالصة.
السينما من وجهة نظر ديفيد لينش هى عملية تحويل حلم إلى فيلم سينمائى بالكشف عن لامعقولية العالم الحلمى فى الظروف العادية، ومن اجل هذا يستخدم ديفيد لينش السرد المُتجزء وعدد لا حصر له من الكوابيس واللقطات التى تُشبه الحلم، وسوف نلاحظ فى أفلامه تكراراً للقطات للنار، والطرق السريعة ليلاً، والدخان، والأضواء المتقطعة، ولقطات عديدة مُشوهة.
أراد ديفيد لينش أن يُصبح رساماً عندما كان عمره 9 سنوات، لكنه وبينما كان يتعلم ليصبح رساماً، أدرك أنه بإستخدام الوسيط السينمائى يستطيع عمل صور مؤثرة وان السينما يمكن أن تكون أكثر الوسائط تأثيراً فى التعبير عن رؤاه.
قال ديفيد لينش أنه يُفضل السينما عن أى شكل فنى آخر، لأن السينما نفسها تحتوى على فكرة الزمن والسرد والحوار والموسيقى والمؤثرات الصوتية، وهذه الأشياء تُتيح له ان يعبر عن أفكاره وأحاسيسه التى لا يمكن التعبير عنها بإستخدام أى وسيط فنى آخر.
وهو يُفضل الصورة عن الكلمة، وهذا واضح فى أفلامه وخاصة فيلم "رأس الممحاة" الذى يتميز بشُح الحوار، وديفيد لينش على أيه حال ظل محافظاً على وجود ضوضاء تغلف شريط صوت أفلامه، كما انه يكتب موسيقى أفلامه بنفسه، وهو يستخدم الكلمات الغامضة كعنصر من عناصر عالمه الحلمى.كما ان الستارة الحمراء هى أحد الرموز التى يتكرر ظهورها فى أفلام ديفيد لينش، وظهرت للمرة الأولى فى فيلم "الأزرق المخملى". وقد عبر عن ولعه بلحظة محددة – وهى لحظة جلوسك فى صالة السينما بينما الأضواء تنطفئ وتنفتح الستارة ويبدأ الفيلم، وهذا يأخذك إلى عالم آخر- هذه اللحظة المحددة هى التى ألهمت ديفيد لينش أن يستخدم رمز الستارة الحمراء أكثر من مرة فى أفلامه.
وتُمثل الستارة الحمراء نوعاً من الفاصل بين الواقع المادى الحقيقى وبين عالم الحلم، ففى "توين بيكس" فإن الغرفة الحمراء بالستائر الجدارية الحمراء هى المكان الذى تتخذ فيه الأرواح شكلها المثالى، وهى المكان الوسط بين عالمين حيث يمكن لأى شيئ أن يحدث ولا توجد مشكلة بالنسبة للزمن.
سينما الأحلام
المخرج ديفيد لينش
المخرج ديفيد لينش

الأحلام هى واحدة من أكثر الموضوعات المُستخدمة فى أفلام ديفيد لينش، وهو يفترض فى معظم افلامه ان العالم الذى نعيش فيه ليس هو العالم الوحيد المتاح، وبالنسبه له فأن الواقع اليومى الذى نعيشه هو مجرد ظل لأفكار مظلمة وخطيرة وشهوانية تسيطر على الإنسان العادى.
معظم مواضيع أفلامه تبدو أسيرة الحدود الغير واضحة بين واقعين مختلفين، ولكن بدون معرفة يقينية بما هو الواقع الحقيقى وما هو الواقع الحلمى، فشخصية ايجنت كوبر فى توين بيكس يسأل نفس السؤال الذى يراودنا عندما نفكر فى الأحلام، فهو يسأل "هل تعرف من أين تأتى الأحلام؟، الخلايا العصبية المركزية تُطلق شحنات عالية الفولت إلى مقدمة الدماغ، هذه الشحنات تُصبح صوراً، والصور تُصبح أحلاماً، لكن لا أحد يعرف لماذا نختار تلك الصور بالتحديد" ، وعن سر إهتمامه بالأحلام قال ديفيد لينش "عندما تنام، فانت لا تتحكم فى أحلامك، وانا احب ان أخوض فى العالم الحلمى الذى أختلقه، فهو العالم الذى إخترته والذى اتحكم فيه بشكل كامل".
التباين بين الحلم والواقع وبين الخير والشر موجودان فى فيلم "الأزرق المخملى" حيث تنقسم بلدة إلى قسمين، قسم للخير والثراء وقسم للفقر والوضاعة، ونفس الحال مع الشخصيات الرئيسية، فهى تخلق تبايناً، فشخصية جيفرى تُمثل الخير وشخصية فرانك تُمثل الشر، وشخصية ساندى تُمثل البراءة بينما شخصية دوروثى تُمثل الدناءة، والحقيقة ان العديد من عناصر أفلام ديفيد لينش تقابلها عناصر عكسية فيما له علاقة بإيمانه بالعوالم الحلمية وبحقيقة أن كل صورة كبيرة جميلة يمكن أن تحتوى على تفاصيل بشعة.
ومرة أخرى، فثمة توازى يمكن إكتشافه بين قناعات ديفيد لينش فى العوالم البديلة وبين كل العناصر فى أفلامه التى ترمز لهذا، ففى واحدة من رسوماته التى تحمل إسم "أنا أنظر إلى نفسى" نرى جانبى شكل معروضين، فهو هنا يصور قناعاته بالشيئ وعكسه –الخير والشر، والحلم والواقع، والظلام والنور، والجمال والقبح، وكذلك يكشف عن المنطقة الوسطى بين العالمين حيث نجد ان الغرفة الحمراء فى فيلم "توين بكس" تعبر عن هذه المنطقة الوسطى، ويعلق ديفيد لينش عن هذا قائلاً "إن الشيئ يقابله نقيضه، وهذا يعنى وجود شيئ فى المنتصف، وان المنتصف ليس لتعادل النقيضين ولكن الوسط هو قوة النقيضين".
موضوع الحلم غالباً ما يتحول إلى موضوع الحلم الأمريكى- الذى غالباً ما يظهر فى اعمال ديفيد لينش أيضاً – من المشاهد الأولى المُدهشة فى فيلم "الأزرق المخملى" إلى قصة بيتى إلمس، حيث تحاول فتاة صغيرة أن تصنع هذا الحلم الأمريكى فى هوليوود، فكرة الحلم الأمريكى يمكن ان يكون لها جذور من طفولته، فالعالم فى طفولة لينش كان فى الضواحى شديدة الصغر، وعلى أيه حال، فهو غالباً ما يلمح ألى عناصر القبح فى حياة الضواحى، وهذا أيضاً موصوف فى أفلامه.
التناقض بين الجمال التام وبين التفاصيل القبيحة يمكن رؤيته فى المشهد الإفتتاحى من فيلم "الأزرق المخملى" حيث تنتقل الكاميرا من صورة لمنزل جميل مبنى على بقعة من العشب الأخضر المقصوص، لتكشف لنا الكاميرا عن العنف الشديد لحياة الحشرات تحت هذا المنظر البديع فى جماله.
هذا الملمح من العنف فى الحلم الأمريكى يتكرر فى أعمال ديفيد لينش، إنه يفحص الجانب المظلم من المجتمع، الذى يمكن أن يوصف بانه واحد من العوالم البديلة التى يحرص لينش على تقديمها كثيراً، فهناك شيئ ما يحدث ويمكن رؤيته وثمة شيئ آخر مختلف كليةً يحدث تحت السطح، والذى يمكن إكتشافه هو عندما تدخل ما يسمى المنظقة الوسطى فقط، فيلم "توين بيكس" و فيلم "مولهولاند درايف" وفيلم "الأزرق المخملى" هم أكثر أفلام ديفيد لينش التى ينطبق عليها ما سبق من توصيف لأسلوبه.

تعليقات فيسبوك
0 تعليقات بلوجر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

الإسم الكريم البريد الإلكتروني مهم الرسالة مهم
تصميم: حميد بناصر